فوزي آل سيف
383
رجال حول أهل البيت عليهم السلام
16- كتاب المتعة. 17- كتاب يوم وليلة.([214]) وذلك أن العادة في قانون الطغاة أنهم عندما يسلبون حرية إنسان، يسلبونه ماله وعلمه- إن استطاعوا- ولكون أخت ابن عمير واعية لهذا الأمر فقد أقدمت منذ أن اعتقل على دفن كتبه في الأرض، فلما خرج من السجن كان قد تلف قسم كبير منها. ونظرا لوثاقته التامة، فقد حاز على ما لم يفز به غيره من رجال الرواية والعلماء إذ عدوا مراسيله([215]) مسانيد، وذلك إضافة إلى ما يتمتع به من الوثائق فإن فيما هلك حال استتاره كان الكتب وأحياناً أسانيد هذه الكتب لذلك «تفرد في تسالم الكل على قبول مراسيله وعدهم إياها بحكم المسانيد المعتمدة..»([216]). و إضافة إلى علمه فقد كان غاية في الصلاح والعبادة جعله مضرب المثل، وهل كان أتباع أهل البيت الحقيقيون إلاّ صورة مصغرة عنهم؟! وينبغي أن يكون واضحاً أن عبادة هؤلاء لم تكن تصوفاً أو هروباً من مواجهة مسؤوليات الحياة، كما هو شأن أدعياء العبادة فلو كان أمثال ابن أبي عمير على هذه الشاكلة لما كانوا يتعرضون لجور الحكام وسجن الخلفاء، بل يجعلون العبادة حافزاً على العمل ومعيناً على العلم وداعياً إلى الجهاد، وهم في ذلك كله مصداق قول أمير المؤمنين : أما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونها ترتيلا يحزنون به أنفسهم ويستثيرون به دواء دائهم، فهم حانون على أوساطهم مفترشون لجباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم يطلبون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم وأما النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء.([217]) روى الفضل بن شاذان: قال دخلت العراق فرأيت واحداً يعاتب صاحبه ويقول له: أنت رجل عليك عيال وتحتاج أن تكتسب عليهم وما آمن من أن تذهب عيناك لطول سجودك.. فلما أكثر عليه قال: أكثرت عليّ ويحك لو ذهبت عين أحد من السجود لذهبت عين ابن أبي عمير ما ظنك برجل سجد سجدة الشكر بعد صلاة الفجر فما يرفع رأسه إلاّ عند الزوال!!. هاهو قد خرج من السجن وعاد إلى موقعه الأول يتتلمذ على ثلاثة من الأئمة (الكاظم والرضا وأخيراً الجواد )، ويتمتع بمنزلة اجتماعية متميزة بين أتباع أهل البيت، فها هو هشام بن سالم يتنازع مع هشام بن الحكم في مسألة عقيدية فيقبلان به حكماً يوقف المخطئ على خطئه. وبالرغم من أنه قد فقد كل ماله، سواء في تخليص نفسه من السجن أو بسبب مصادرة أمواله، إلاّ أنه لم يفقد نفسه الكريمة، فقد كان له على رجل عشرة آلاف درهم فلما علم ذلك الرجل بالحالة الاقتصادية السيئة التي آل إليها ابن أبي عمير بعد خروجه من السجن، وكان المدين- بدوره - لا يملك هذا المبلغ ليعيده لابن أبي عمير فباع داراً له كان يسكنها بعشرة آلاف، وحمل المال إلى ابن أبي عمير، الذي خرج إليه، فقال له ما هذا: قال: مالك الذي عليّ!. قال: ورثته؟!. قال: لا. قال: وهب لك؟. قال: لا. فقال له: أهو من ثمن ضيعة بعتها؟!. . قال: لا.
--> 214 )رجال النجاشي 327. 215 )تعتمد حجية الخبر في الاستدلال على كونها مسندة بسند معتبر إلى المعصوم، أما لو كانت مرسلة ـ بمعنى أنه لم يذكر فيها رجال السند، والرواة إلى المعصوم ـ فإنها لا يمكن الاستدلال بها والاعتماد عليها.. هذا باستثناء مراسيل بعض الثقات ومنهم ابن ابي عمير على المشهور. 216 )تنقيح المقال 2/ ب 63. 217 )نهج البلاغة 193.